الأخبار والنشاطات

صنّاع التربة الحسينية في كربلاء: حرفة تُصنع بالطين وتُحفظ بالذاكرة

صنّاع التربة الحسينية في كربلاء: حرفة تُصنع بالطين وتُحفظ بالذاكرة
تم النشر في 2026/10/24 06:28 97 مشاهدة

في الأزقة المحيطة بالحرمين الشريفين، حيث تتداخل أصوات الباعة مع أذان الظهر ورائحة الماء والطين، ما زالت أيدٍ تعجن التراب كما فعل أسلافها قبل قرون. إنها حرفة صناعة التربة الحسينية والسبح، من أقدم المهن المرتبطة بهوية المدينة، تقاوم اليوم زحف المصانع والمنتجات المستوردة، وتتشبث بما ورثته من ذاكرة وصبر.

البعد الديني والتاريخي لتربة كربلاء

أشار المحقق والباحث الشيخ باسم الحلي إلى أن "الروايات الواردة تشير إلى أن تربة كربلاء لها مكانة خاصة منذ زمن نبي الله آدم عليه السلام".

وأضاف أن "العلماء وبالإجماع يؤكدون على حرمة وعدم جواز تناول التراب باستثناء تربة قبر الإمام الحسين عليه السلام"، مبيناً أن هناك عدداً من الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تؤكد على الاستشفاء بتربة قبر الإمام الحسين عليه السلام من خلال تناول ذرات منها.

من الورشة إلى الظل.. أسرار الصنعة كما ترويها "أم عبد الله"

تقول الحاجة أم عبد الله، وهي إحدى الحرفيات اللاتي ورثن المهنة أباً عن جد في كربلاء: "أنا لا أرى في التربة الحسينية مجرد قطعة طين جافة يُسجد عليها؛ فهي بالنسبة لنا ولآلاف الزائرين تجسيد مادي ورمز روحي يرتبط بملحمة الطف ودم الإمام الحسين وأهل بيته الأطهار.
فعندما يقصد ملايين الزائرين مدينة كربلاء من شتى بقاع الأرض، فإنهم يحرصون أشد الحرص على حمل جزء من هذا التراب الطاهر معهم إلى ديارهم، فتُصنع من هذا الطين المبارك أقراص السجود والسبح المعطرة بعبق الحرمين، لتتحول إلى هدية مقدسة تتبادلها القلوب قبل الأيدي، وتبقى دليلاً حياً ينطق بحكاية كربلاء في كل بيت ومسجد حول العالم".

مراحل التصنيع اليدوي

وتواصل حديثها عن أسرار المهنة قائلة: "إن صناعة التربة ليست بالأمر السهل، بل هي عملية شاقة ومضنية تتطلب صبراً ومراساً طويلاً نقلته لي عائلتي، وتمر بأربع محطات أساسية:

المرحلة الأولى: نبدأ بجلب الطين الخاص من مواقع محددة ومجرَّبة في أراضي كربلاء، ونعرّضه لتجفيف أولي تحت الشمس، ثم ننخله يدوياً عبر مناخل سلكية دقيقة جداً لعزل الشوائب والحجارة، لضمان الحصول على تربة نقية متجانسة وخالية تماماً من العيوب.
المرحلة الثانية: نخلط التراب النقي بالمياه الصافية بنسب دقيقة تعتمد كلياً على خبرتي ولمستي اليدوية، فلا نستخدم أبداً أي مواد كيميائية أو إضافات لاصقة، بل نعتمد على خصائص الطين الطبيعية وحدها، ونعجنه بقوة لنصل إلى القوام اللين المثالي القابل للتشكيل.
المرحلة الثالثة: نأخذ كتل العجينة ونضعها في قوالب خشبية أو معدنية تراثية تحمل حفوراً بارزة لأذكار وعبارات دينية وأسماء الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ثم نضغطها بإحكام لترتسم النقوش بوضوح تام.
المرحلة الرابعة: تُنقل القطع بحذر لتُنشر بعناية في أماكن مغلقة أو في الظل بعيداً عن أشعة الشمس المباشرة؛ لأن الحرارة المباشرة تتسبب في تشقق القطع وتلفها، فنتركها تجف تدريجياً بصبر لعدة أيام".

بصمة اليد وإرث العائلة

وتضيف مفسرةً الفرق بين العمل اليدوي والآلي: "في عصر تسيطر فيه المصانع على كل شيء، نقف نحن الحرفيين بفلسفة تقوم على جماليات 'الخطأ البشري اللطيف' وبصمة اليد الفريدة،  فالقطعة التي أصنعها بيدي لا تشبه أختها قط؛ ففيها تفاوت بسيط في السمك وتدرج طبيعي في اللون، وهذه الفروقات ليست عيوباً بل هي 'شهادة ميلاد' تثبت أنها مرت بأنامل إنسان عجنها بعرقه وصبره، وهي قيمة معنوية لا توفرها آلات المصانع الباردة أبداً".

وعن البعد العائلي والإنتاج تقول: "ورثت هذه الصناعة عن آبائي وأمهاتي وأجدادي، وفي بيوت كثيرة هنا تقود النساء العمل بجدارة، ويبدأ أطفالنا خطواتهم الأولى بمهام بسيطة حتى يتقنوا النقش والتشكيل. تنتج عائلتي عادة ما بين ١٠٠٠ و١٥٠٠ قطعة يومياً، ويتراجع الإنتاج شتاءً إلى ما بين ٥٠٠ و١٠٠٠ قطعة بسبب صعوبة استخراج الطين وبرودة الجو، بينما يعوضنا الصيف ببيئة مثالية للتجفيف والإنتاج الواسع. كما ترتبط ورشنا ارتباطاً وثيقاً بمواسم الزيارة المليونية الكبرى، وخاصة زيارة الأربعين ومناسبات عاشوراء".

خلف الرفوف: حكاية الأمانة في السوق

وفي زاوية من زوايا المدينة القديمة بمحافظة كربلاء، يعمل الحاج جاسم محمد الموسوي (أبو علي)، وهو رجل في منتصف الخمسينيات يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ورثها عن والده الذي كان يبيع التربة والمسابح في منطقة بين الحرمين. يقول أبو علي إن ما يفعله "ليس تجارة بقدر ما هو خدمة لأناس يبحثون عن الطمأنينة".

ما بين الجودة والتقليد: تحديات السوق

على رفوف محله تتراص الأقراص المصنوعة من تربة كربلاء بأحجام وأشكال مختلفة، منها المنقوش ومنها التراثي، إلى جانب المسابح وأكياس حفظ التربة والمصلّيات. ويشرح أن الفروق بينها تكمن في الحجم والصنعة والنقش، فبعضها للاستعمال المعتاد وبعضها للسفر أو الإهداء.
وحول مصدر البضاعة يؤكد أنه يتعامل مع ورش ومصانع معروفة وموردين يثق بهم، ويفحص القطع بنفسه للتأكد من نقائها، قائلاً: "الأمانة في هذه المهنة أهم من الربح". ويتنوع زبائنه بين كبار السن والشباب والعوائل، وتتضاعف الحركة في محرم وصفر وقبيل الأربعين، وكذلك في رمضان ومواسم الحج والعمرة.

وراء كل قرص حكاية: مواقف لا تُنسى

يروي أبو علي مواقف تلامس القلب، كزبون مسنّ بكى فرحاً حين وجد قرص تربة يشبه الذي كان يستخدمه والده المتوفى في صلاته، وشاب اشترى هدية لوالدته المريضة التي لا تنام إلا وتربتها بجانبها، مؤكداً: "مثل هذه المواقف تذكّرني بقيمة ما نقدّمه".

أما عن الصعوبات، فيشير إلى انتشار المنتجات المقلدة بأسعار زهيدة مما يضر بالسوق، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والمواد الخام. ومع ذلك يراهن على سمعته وصدقه مع الناس.

وفي ختام حديثه يوجّه نصيحة للداخلين الجدد في المجال بأن يعملوا بإخلاص وأمانة، وأن يتعلموا من أصحاب الخبرة. ويختم بأمنيته في فتح فرع جديد ونقل الحرفة إلى أبنائه كما ورثها عن والده.

موقع كربلاء الاخباري 
تقرير / حسن الهاشمي

أحدث الأخبار